محمد عبد الله دراز
271
دستور الأخلاق في القرآن
--> - أرسل على فترة منهم رسولا عظيما ، ونبيا رحيما ، يحرص على هداهم رحمة بهم ، ويدعوهم إلى ما فيه سعادتهم ، وحياتهم شفقة عليهم : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة : 128 ، وما كانت هذه الشّفقة ولا تلك الرّحمة إلّا من فيض العطايا الرّبانية ، والمنح الإلهية الّتي جاد بها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لخير الإنسانية وسعادة البشرية كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً الإسراء : 20 ، ولذلك فإنّها تضاعف وتزداد في الآخرة إكراما لنبيه ، وتقديرا لسمو منزلته ، ورحمة منه لعباده عزّ وجلّ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً الأحزاب : 43 ، وإذا كان يوم القضاء ، واشتد الكرب ، وهال الأمر ، وعظم الموقف ، وتمنى الخلائق أن لو انصرفوا من شدة هذا الهول ، وجلال القيامة ، وزلزلة السّاعة ، وفزع النّاس إلى الأنبياء ، والرّسل وأحالوهم بدورهم على نبي الرّحمة ، وشفيع الأمّة ، ومغيث الخلائق ، تجلت الرّأفة ، وتدفقت الشّفقة ، وتحركت العواطف للأخذ بيد المتوسلين ، وإنقاذ المستشفعين ، والاستجابة للمستغيثين ، ولا عجب فإنّه كعبة الفضل ، وقبلة الرّجاء ، وغاية الأمم ، ومحط الآمال ، فالتوجه والاستغاثة والاستشفاع به صلّى اللّه عليه وآله ، وبغيره من الأنبياء ، والأولياء ، والصّالحين ليس له عند المسلمين ، وفي قلوبهم غير ذلك المعنى المشار إليه : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً الزّمر : 44 ، إنّه لم يعطها لما عبد من دونه ، ولا لمن عبد وكان راضيا ، فالقصر في هذه الآية إضافي ، المراد منه نفي شفاعة الأوثان في عابديها ، ونفي شفاعة جميع المعبودين في عابديهم . فقد روى أحمد ، والتّرمذيّ ، وابن ماجة عن أبي سعيد الخدريّ قدّس سرّه قال : « أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر » ، كما جاء في المعجم الأوسط : 5 / 203 ح 5082 ، شرح سنن ابن ماجة : 1 / 76 ح 2445 ، العلل المتناهية : 2 / 921 ، وقال صلّى اللّه عليه وآله « وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر » ، انظر ، تفسر القرطبي : 4 / 84 ، تفسير ابن كثير : 1 / 561 و : 14 / 135 ، صحيح ابن حبان : 14 / 392 ح 6475 ، المستدرك على الصّحيحين : 1 / 83 ح 82 ، موارد الظّمآن : 1 / 523 ح 2127 ، وروى البزار ، والطّبرانيّ عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « أشفع لامتي حتّى ينادي ربي تبارك تعالى فيقول : قد رضيت يا محمّد ؟ فيقول : إي ربي رضيت » . انظر صحيح مسلم : 1 / 134 مطبعة محمّد عليّ صبيح وأولاده ط ، مصر ، والمستدرك على الصّحيحين للإمام الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم النّيسابوريّ ، وبذيله التّلخيص للحافظ الذهبيّ : 1 / 66 ط دار المعرفة - بيروت لتجد الكثير عن بحث الشّفاعة ، سنن التّرمذي : 5 / 308 ح 3148 و 3610 وص : -